لماذا لا نرضى بالحلول الجزئية؟

تقول أوبرا أن داء العصر هو “المثالية” بحيث أن الشخص يريد أن يفعل الشيء بحذافيره أو لا يفعله ابدًا. وهذا أمر مدمر، لأنه سينتهي المطاف بنا بلا انتاجية.

لقد كنت أعاني من المثالية فيما مضى، لكنني دربت نفسي على أن أرضى بأنصاف الحلول. لأن المثالية قاتلة، وتتطلب معايير مستحيلة، وليست منصفة على الإطلاق.

وغالبًا مع المثالية يأتي القلق شديد وآلام المعدة والقولون.

فمثلًا أردت يومًا أن ارتب خزانة طفلي، واتخلص من كل الملابس المهترئة وأحفظ الملابس التي بحالة جيدة لأخيه حينما يكبر. فتقافزت الأفكار المثالية في مخي: لكن لا تملكين صناديق شفافة لتخزين الملابس الصغيرة في العلية، ولا تملكين تلك الملصقات اللطيفة التي عليها الأعمار ومقاسات الملابس، و…و…

ثم تذكرت قانون الحلول الجزئية، وقررت أن استخدم ما بحوزتي ولا اترك صور بنترست المثالية لخرائن أطفال وهميين في مكان ما بالعالم لا أعرف عنهم شيئًا تعبث في مخي. وبالفعل رتبت خرانة طفلي وخزنت البقية بأكياس ziplock bags ذات الحجم الكبير لأنني لم أملك غير ذلك حينها، وكتبت عليها بقلم أسود الأعمار والمقاسات، بدون صور لطيفة ولا أشكال ظريفة. ثم صففتها فوق بعضها في العلية. لم يصلها الغبار ولا العثة وحينما حان دور أن افتحها لأرى ما يناسب طفلي الثاني، ابتسمت ووجدتها في حالة ممتازة وشعرت بالامتنان لهذا الحل الجزئي لأنني لم أكن سأرتب شيئًا لو انتظرت صناديق ايكيا الشفافة ذات المقاس المثالي.

يمكن تطبيق قانون الحلول الجزئية على كل شيء بالحياة، حتى نقلل من الضغوط ونصبح أكثر لطفًا مع أنفسنا.

سأعزم صديقات عندي بالبيت وأريد أن اطلب حلى مُبهر وأريد أن يكون العشاء كله من صنع يديّ، كما أريد البيت أن يكون منظمًا كأنه صفحة من كاتلوج فلوريدا ديزاين ثم ينتهي المطاف بي أن لا أعزم أحدًا، واتذكر الكلمة السحرية “الحلول الجزئية” فأرتب فقط مكان الجلسة وأجلب حلوى سريعة من البقالة (الكيس الذي يحوي مختلف الشوكلا بالحجم الصغير سنيكرز ومارس وباونتي) ثم اشعل الشموع لتضفي شاعرية واجهز القهوة. وعندما يأتون نطلب عشاءً سريعًا وخفيفًا من أي تطبيق. إن الغاية كانت أن أرى صديقاتي واستضيفهن، وليس تعذيب نفسي ومقارنتها بشخصية مثالية من الإنترنت.

عندما انتهيت من كتابة هذا المقال، تبادر إلى ذهني اقتباس لجبران خليل جبران:

لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين،لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت،لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتّ.. فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت.. فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت.

إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت.. فعبّر عن رفضك،

لأن نصف الرفض قبول.. النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها،وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها.. النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك.

النصف هو أن تصل وأن لاتصل، أن تعمل وأن لا تعمل،أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت، النصف هو أن لا تعرف من أنت.. ومن تحب ليس نصفك الآخر.. هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه.

نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك،نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز.. لأنك لست نصف إنسان.

أنت إنسان وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك.. بل بما لا يستطيع أن يظهره، لذلك.. إذا أردت أن تعرفه فلا تصغي إلى ما يقوله .. بل إلى ما لا يقوله.

وبينما قد أوافقه على بعض من النقاط إلا أنني أخالفه في اكثرها، وبينما أنا اقرأ ابتلعت ريقي ثم ابتسمت حسنًا يا جبران، ما أسهل أن لا ترضى بالحلول الوسطى وأن تطالب بأن يكون كل شيء في حياتك قطعيًا وحتميًا ونهايئًا وأنت لم تصبح أمًا يجب أن تفاوض على كل شيء حتى تستقيم حياتها.

 

9 thoughts on “لماذا لا نرضى بالحلول الجزئية؟

  1. nisreenhajasad كتب:

    شكرًا جزيلاً لمشاركة هذا المقال !
    سبحان الله …اليوم فعلت شيئًا كنت أؤجّله منذ زمن لأنني أريد إنهاؤه مرة واحدة و بطريقة كاملة و مرتبة إلى أبعد حد فكان تأجيلي في كل مرة لأنني أخاف أن لا يكون كل شيء كما أريد، لكنني قررت تبسيط الأمر و إنجاز القليل في كل يوم 🙂 الحمدلله

    إعجاب

  2. سناء كتب:

    صحيح والله أثلجت صدري وحسيت جبل انزاح عني 😍من الغد سابدأ بترتيت ثياب اطفالي وأطبخ طعامي، بعيدا عن بينترست 😅
    جيت من سناب ١٥ ثانية

    إعجاب

  3. Eman كتب:

    روووعة من جد اسعدني هالمقال وشكرا لسناب15 ثانية وصلتني اليك،،، اعاني كثير من حب الكمال ،، خففتي علي نصف همي سأكتفي بالموجود حتى أحصل هلى المنشود!!

    إعجاب

  4. Emanaa كتب:

    روووعة من جد اسعدني هالمقال وشكرا لسناب15 ثانية وصلتني اليك،،، اعاني كثير من حب الكمال ،، خففتي علي نصف همي سأكتفي بالموجود حتى أحصل هلى المنشود!!

    إعجاب

    • asruniya كتب:

      اهلًا بك يا إيمان، وممتنة جدًا لسناب ١٥ ثانية رغم أنني لا أملك حساباً في سناب تشات ولم أعلم بأنهم ذكروني. شكرًا لهم ولك ♥️

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s